صناعة السفن النهرية من الصناعات القديمة في دير الزور اقترنت بالتدفق الدائم لنهر الفرات في وسطها حيث كانت ولاتزال وسيلة للنقل وتحميل المواشي والمنتجات الزراعية تطورت عبر الزمن لتتحول من صناعة بدائية تعتمد على المواد المتوافرة في البيئة المحلية إلى متطورة .
وقال ياسر شوحان مدير الآثار بدير الزور إن طرق الملاحة النهرية متوارثة من جيل إلى جيل حيث عرفت الحضارات القديمة في وادي الفرات الأوسط هذا النوع من الملاحة النهرية ويعود تاريخها إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد حيث ذكرها تحوتمس الثاني في الحوليات التاريخية بالقول .. عبرت نهر الفرات 18 مرة بمراكب من الجلد واصطدت في طريق عودتي الفيلة من العاصي وكانت تزخرف بأشكال هندسية مختلفة أكثرها انتشارا الزكزاك تشبه إلى حد كبير القوارب المستخدمة في نهر دجلة وتسمى البلم.
وتطرق شوحان لوجود أنواع أخرى من زينة السفن كالشبك وهي عبارة عن حزم من الحطب وتستخدم كنماذج صغيرة يوضع بداخلها خيمة، أما سفن الكابل فهي قوارب يعلق بمنتصفها الكبل الذي يربط بين الضفتين وان استخدام السفن النهرية كان شائعاً في دير الزور لنقل الخضراوات والفواكه من الحوائج النهرية المستثمرة زراعياً لصعوبة إقامة الجسور عليها نظرا لصغر حجمها بسبب طبيعتها الرملية كما اعتاد الأهالي على هذا النوع من العبور.
وقال وليد إسماعيل70 عاما صانع سفن نهرية إن النموذج الأساسي للسفينة القديمة هي المربعة والمصنوعة من خشب التوت يتراوح طولها من ثلاثة إلى ستة أمتار وهي قليلة العرض لتفادي انجرافها لتيارات النهر السريعة وكانت وسيلة النقل الأساسية للفرات وتستعمل قديما لنقل البضائع والمؤن مثل السكر والحنطة والحطب حيث لا توجد وسيلة نقل أخرى سوى العربات التي تجرها الحيوانات وتنقل المواسم الزراعية.
وتابع .. كان في دير الزور ثلاثة مرافئ نهرية صغيرة لاستقبال السفن المحملة بالبضائع والأشخاص وبعد ان تفرغ حمولتها يقوم عشرة أشخاص بجرها بحبال لصعوبة الملاحة بعكس جريان النهر وعندما يصلون إلى أماكن عميقة عليهم أن يركبوا السفن والعبور إلى الضفة الأخرى حيث المياه الضحلة تسمح لهم بالرسو واستئناف سيرهم.
وبين إسماعيل أن هذه السفن تصنع من ألواح من خشب التوت، وتسد الفراغات بين الألواح الخشبية بالأقمشة القطنية وتملأ بالقار لمنع تسرب الماء إليها، ويتم تحريكها بالمجاديف في أوقات الفيضان وفي وقت شح النهر يدفع القارب بواسطة عصا طويلة تغرس في قاع النهر لدفع السفينة وتسمى المردي، ويعرف هذا النوع محليا باسم الطرادة.
وأضاف أنه درجت العادة أن تصنع السفن بشكل ثنائي أي سفينتين بقياس واحد لربطها مع بعض لدى القيام بنقل بضائع كبيرة الحجم مشيرا لوجود نموذج آخر للسفن النهرية التي تستعمل لصيد السمك وتسمى الطوافة وتكون أقصر من السفينة العادية واستبدلت حديثا مادة الخشب بمادة الحديد، والسبب في ذلك أن السفن الخشبية تبقى في النهر ويجب أن تكون دائما رطبة وصيانتها صعبة جدا أما الحديدية فيمكن إخراجها في أي وقت.
وأشار اسماعيل إلى نوع آخر يسمى الطوف ويصنع عن طريق أعمدة خشبية طويلة تكون شبيهة بالتي كانت تستخدم لسقف البيوت وتربط مع بعضها البعض بأغصان الشجر بشكل مخالف ويركب عليها العمال الذين يأتون بها من مناطق بعيدة إلى دير الزور وتستغرق الرحلة أياما وفي بعض الأحيان يجرف التيار هذا الطوف باتجاه الصخور فيتحطم وتنجرف الأعمدة بالتيار النهري فيضيع جهد الصناع هباء.
أما أبو خالد أحد قاطني حويجة كاطع فقال ان هذه السفن هي وسيلتنا الأساسية للتنقل على الرغم من جميع الصعوبات وخاصة في فصل الشتاء، واستغنينا بها عن الجسر ومعظم العائلات أو الفلاحين الذين يعملون في الزراعة أو يسكنون الجزر النهرية يملكون سفناً صغيرة خاصة بهم فيما كانت بالماضي سفينة أو سفينتين تنقل الجميع صباحاً ومساء وعلى الشخص انتظار موعد عبور السفينة الى إحدى الضفتين اما حاليا فقد اصبح العديد من الاشخاص يملكون سفناً للسياحة النهرية والتجول في نهر الفرات.